أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
264
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الأصل يقتضي ذلك ، والضمير في « منه » يعود على « ما » حملا على اللفظ ، قال أبو البقاء : « ولو كان في غير القرآن لجاز « منها » على المعنى » قلت : هذا الذي قد قرأ به أبي بن كعب والضحاك . وقرأ مالك بن دينار « 1 » : « ينفجر » من الانفجار . وقرأ قتادة : « وإن من الحجارة » بتخفيف إن من الثقيلة وأتى باللام فارقة بينها وبين « إن » النافية ، وكذلك « وإن منها لما يشقّق - وإن منها لما يهبط » وهذه القراءة تحتمل أن تكون « ما » فيها في محل رفع وهو المشهور ، وأن تكون في محلّ نصب لأنّ « إن » المخففة سمع فيها الإعمال والإهمال ، قال تعالى : وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ « 2 » في قراءة من قرأه . وقال في موضع آخر : « وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ » « 3 » إلّا أنّ المشهور الإهمال . و « يشّقّق » أصله : يتشقّق ، فأدغم ، وبالأصل قرأ الأعمش ، وقرأ طلحة بن مصرف : « لمّا » بتشديد الميم في الموضعين ، قال ابن عطية : « وهي قراءة غير متجهة » وقرأ أيضا : « ينشقّ » بالنون ، وفاعله ضمير « ما » وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون فاعله ضمير الماء لأنّ « يشّقّق » يجوز أن يجعل للماء على المعنى ، فيكون معك فعلان ، فيعمل الثاني منهما في الماء ، وفاعل الأول مضمر على شريطة التفسير ، وعند الكوفيين يعمل الأول فيكون في الثاني ضمير » يعني أنه من باب التنازع ، ولا بد من حذف عائد من « يشّقّق » على « ما » الموصولة دلّ عليه قوله « منه » والتقدير : وإنّ من الحجارة لما يشّقّق الماء منه فيخرج الماء منه . وقال أيضا : « ولو قرئ « تتفجّر » بالتاء جاز » قلت : قال أبو حاتم يجوز « لما تتفجّر » بالتاء لأنه أنّثه بتأنيث الأنهار ، وهذا لا يكون في تشّقّق يعني التأنيث . قال النحاس : « يجوز ما أنكره على المعنى ، لأنّ المعنى : وإنّ منها لحجارة تتشقّق » يعني فيراعي به معنى « ما » فإنّها واقعة على الحجارة . قوله : مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ منصوب المحلّ متعلق ب « يهبط » . و « من » للتعليل ، وقال أبو البقاء : « من » في موضع نصب بيهبط ، كما تقول : « يهبط بخشية اللّه » ، فجعلها بمعنى الباء المعدّية ، وهذا فيه نظر لا يخفى . وخشية مصدر مضاف للمفعول تقديره : من أن يخشى اللّه . وإسناد الهبوط إليها استعارة ، كقوله : 556 - لمّا أتى خبر الزّبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشّع « 4 » ويجوز أن يكون حقيقة على معنى أنّ اللّه خلق فيها قابلية لذلك . وقيل : الضمير في « منها » يعود على القلوب وفيه بعد لتنافر الضمائر . قوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ قد تقدّم في قوله : وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ « 5 » فليلتفت إليه . قوله : عَمَّا تَعْمَلُونَ بغافل ، و « ما » موصولة اسمية ، فلا بد من عائد أي : تعملونه ، أو مصدرية فلا يحتاج إليه ، أي عن عملكم ، ويجوز أن يكون واقعا موقع المفعول به ، ويجوز ألّا يكون . وقرئ « يعملون » بالياء والتاء .
--> ( 1 ) مالك بن دينار البصري أبو يحيى من رواة الحديث كان ورعا يأكل من كسبه توفي بالبصرة سنة 131 ه ، وفيات الأعيان ( 1 / 440 ) ، حلية الأولياء ( 2 / 357 ) ، الأعلام ( 5 / 260 - 261 ) . ( 2 ) سورة هود ، آية ( 111 ) . ( 3 ) سورة يس ، آية ( 32 ) . ( 4 ) البيت لجرير انظر ديوانه ( 245 ) ، الخصائص ( 2 / 418 ) ، الكامل ( 486 ) ، رصف المباني ( 169 ) ، الأضداد ( 296 ) ، اللسان « سور » . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 8 ) .